Date : 18,09,2019, Time : 10:43:33 AM
3255 : عدد القراء حاليا
حالة الطقس
°C
Amman,Jordan
13
اليوم
العليا 22° الدنيا 12°
غداً
العليا 18° الدنيا 12°
أرسل خبر
آخر تحديث: الأربعاء 12 ذو الحجة 1440هـ - 14 أغسطس 2019م 11:17 م

في المسألة البربرية… مرّة أخرى

في المسألة البربرية… مرّة أخرى
نور الدين ثنيو

في مقال سابق حول المسألة البربرية، حصرنا الموضوع في الفضاء الفرنسي، أي أنه يتعلق في الغالب بتاريخ العمّال المهاجرين من أصول قبائلية، الذين تطورت حياتهم الاجتماعية والسياسية، إلى حد أنهم يطالبون بحقهم في الترقية والحضور في الهيئات التمثيلية. فقد كانت اللغة الفرنسية هي أداة التعبير والإفصاح عن المطلب البربري.
ويمكن أن نوضح المسار الفرنسي للمطلب البربري على النحو التالي: في 11 مارس 1954، وفي مدينة باريس، أَسَّست المجموعة الأولى التي تبنت المطلب البربري، جمعية من أجل تطوير «اللغة البربرية». في 3 فبراير 1967 تم في باريس أيضا تأسيس الأكاديمية البربرية. وفي شهر يونيو 1972 جرى التفكير في إمكانية اقتراح تعليم «اللغة البربرية» في جامعة باريس VIII (فانسان). وقد انتظرت المجموعة صاحبة المبادرة التي كان يترأسها مبارك رجالة، يوم 29 يناير 1973، لكي يُصْدِر المجلس البيداغوجي للجامعة، نص القرار بفتح «تعليم اللغة البربرية وحضارتها، وتسند إلى مبارك رجالة، وهو أستاذ جامعي حائز شهادة معهد الدراسات السياسية ومدرسة دراسة اللغات الشرقية.
واضح تماما أن تعليم «اللغة البربرية» في الجامعة، هو جزء من تعليم اللغات الشرقية المتوارثة عن تراث الحضارات والثقافات القديمة، وأن الغالب فيها إنها تنتمي إلى التاريخ الشفوي، الذي تجاوزته اللغات العالمية الحية والحيوية، الفاعلة في الدنيا الجديدة والمجتمع الدولي القائم على الدولة/الأمة كوحدات سياسية حديثة تفصح عن كيانها الواحد. هذا في ما يتعلق بمسار المسألة البربرية في الفضاء الفرنسي، من حيث تاريخ العمال المهاجرين الجزائريين ذوي الأصول القبائلية، الذين فتح لهم المجال من أجل حيازة الحق في الوجود والتمثيل والاعتراف بالخصوصية البربرية ضمن المؤسسات الفرنسية. فالدولة الفرنسية قائمة على مؤسسات شرعية معتمدة على اللغة الفرنسية كلغة رسمية ووطنية تستوعب جميع الأصول واللغات الشفوية والدارجة، بما في ذلك اللغات الشرقية.

أما الجانب الآخر في المسألة البربرية فهو أنها طرحت باللغة الفرنسية، أي ضمن خطاب فرنسي يتوجه إلى السلطة الفرنسية، يُظْهر الفروقات بين التعبيرين بالقدر الذي يحيل المطلب إلى لغة محلية بعيدة عن اللغة الفرنسية وغير مستعملة أصلا. وهذا ما ظهر صراحة في خطاب ومقالات الذين طرحوا ونظروا للمسألة البربرية، ليس بداية من رشيد علي يحيى، وليس انتهاءً بمبارك رجالة ومولود معمري. فقد كانت اللغة الفرنسية هي الحامل الغريب للمطلب البربري ضمن الفضاء الفرنسي، بينما العكس تماما عندما توضع المسألة البربرية حيال اللغة العربية، ففورا ينتفي مبرر طرحها أصلا، لأنها تتحول إلى موضوع ثقافي أي له صلة بلغة عَالمة ودين رسالته القرآن الكريم. فالموضوع الثقافي في صلته بالهوية لا يطرح البتة على حركة ذات نزعة وطنية وثورية، ضمن أفق خطاب اليسار الفرنسي، بقدر ما يطرح على الحركة الإصلاحية الجزائرية، التي هي في الأصل عَبَّرت في ماهيتها ومبرر وجودها باللغة العربية والدين الإسلامي، كأفضل قاسم مشترك يتماهى عندهما الجميع، سواء من ذوي الأصول البربرية على تنوع مناطقهم وعروشهم وقبائلهم وطُرُقهم الصُّوفية والمَرَابْطية ومداشرهم، أو بقية السكان على اختلاف وتنوع لغاتهم الدارجة ولهجاتهم الشفوية. ففي كافة الأحوال، كانت اللغة العربية عبارة عن سيمياء من الرموز والإيحاءات ووسيلة لتلاوة صلوات ورفع الأدعية ولغة العلم تتواصل مع العالمين العربي والإسلامي كامتداد تاريخي سوّغ إمكانية وجود الأمة والدولة الجزائرية الحديثة.

المسألة البربرية في مسارها الفرنسي تكشف من جملة ما تكشف عنه أن الموضوع يتعلق بلهجة من اللَّهجات الشرقية التي عفا عليها الزمن، ولم تعد تجايل ثقافة العصر الحديث. فالواقع كما تؤكده الدراسات الاستعمارية والاستشراقية أن الحالة التي كان عليها السكان في الجزائر، هي حالة من التخلف الاجتماعي والعلمي، الذي يغري بالاستعمار، على حد تعبير مالك بن نبي، الذي صك مصطلحا باللغة الفرنسية «القابلية للاستعمار» من فرط عدم وجود إمكانية وصف الوضعية الأهلية لا باللغة العربية ولا بلغات أخرى محلية. وعليه، فإن حالة التخلف التي وجدت عليها كافة المناطق في الجزائر، بسبب تخلفها اللغوي، أي عدم اعتماد لغة علمية عَالِمة وعالمية، هو الذي مكّن السلطة الاستعمارية من احتلالها الجزائر، مثلها مثل باقي العالم العربي والافريقي المتخلف. ومن جملة الحقائق التي تَكَشَّفت للسلطة الاستعمارية الجديدة في الجزائر، أن السكان فيها أمِّيون أمية أبجدية لا يعرفون القراءة والكتابة بلغة راقية وعالمة. وكانت اللغة الوحيدة، على تخلفها وتراجعها، التي خاطب بها المحتل الجديد سكان مدينة الجزائر هي اللغة العربية، والغالب فيها مفردات دينية، على ما فعل نابليون في حملته على مصر عام 1798. وهذه الحقيقة التاريخية تؤكد حقيقة أخرى، وهي كلّما كانت منطقة أوجهة بعيدة عن العربية، كانت أكثر تخلفا وبدوية، لأن النهضة العربية التي سيشهدها العالم العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، سوف تتم باللغة العربية كأداة تفكير وموضوع لتطويرها أيضا وفي مواجهة ومحاورة الحضارة الغربية في آخر مراحلها الرامية إلى تشكيل الدولة الحديثة.
وهكذا كانت أولى إرهاصات ومراحل الاستقلال في الجزائر هي التفاعل الإيجابي مع النهضة العربية التي حققت شرط النهضة، الذي لا بد منه وهو اللغة العربية كلغة تواصل ليس مع التاريخ والتراث والجغرافية فحسب، بل التواصل مع النظام الاستعماري، الذي رغم تنكره للغة العربية إلا أنه لم يستطع أن يتخطى الحديث والتعامل مع الجزائريين باللغة العربية كلغة كل الجزائريين ولغة دينهم الإسلامي، والذي ساهم بقدر وافر في هذه المسألة هو الحركة الإصلاحية الجزائرية التي بلورت معنى «الوطن» من خلال نشاطها التربوي والتعليمي «القومي» لأنه كان فعلا بحجم الوطن والعالم العربي كله، ولأنه ساهم فيه كل علماء الدين ومعلمي العربية على اختلاف أصولهم المناطقية، لأن ماهية الحركة الإصلاحية الجزائرية استوفت منذ البداية التوجه الوطني، قبل استقلال الوطن، وإسلام الدولة قبل استقلال الدولة، والانتماء إلى العالم العربي قبل تحرره.
في سياق هذا الوضع النهضوي العربي الشامل، الذي استوعب الجميع لأنه من صنع الجميع أيضا، اسْتُبْعدت إمكانية طرح أي قضايا لغوية أو إثنية أو مذهبية خارج اللغة العربية، وخارج الإسلام الصحيح، الذي بَشَّرت به الحركات الإصلاحية في كل أرجاء العالم الإسلامي، حتى ولو بلغات غير اللغة العربية ونقصد اللغة العثمانية والفارسية والأردية… وحتى اللغات الأوروبية على ما فعل مثلا محمد إقبال في كتابه «تجديد الفكر الديني»، ومالك بن نبي في كتابه «الظاهرة القرآنية». الأمر في هذه الحالة هو دائما البحث عن لغة تواصل حديثة تتوفر على إمكان الانتماء إلى العصر الجديد بالتفاعل مع مصطلحاته ومفرداته ومفاهيمه، وهذا ما لم يحصل للغة البربرية، التي بقيت تطرح فارغة وبلا مضمون، ولم تجد إلا الفضاء والتاريخ الاستعماري، لكي تطرح فيه ليس كثقافة برسم البحث عن الدولة، بل كشأن سياسي يعني عمّالا مهاجرين يستحقون وضعا جديدا يليق بما قدموه للدولة الفرنسية، وهو الأمر الذي لا يزال مستمرا إلى غاية اليوم، على ما نلاحظ في الانتخابات الفرنسية.

القدس العربي 




مواضيع ساخنة اخرى

اختفاء ابن عم أسماء الأسد في لبنان.. والأمن يبحث
اختفاء ابن عم أسماء الأسد في لبنان.. والأمن يبحث
"أنور السادات".. مهمة منافس نتانياهو الأولى بمسيرته العسكرية
"أنور السادات".. مهمة منافس نتانياهو الأولى بمسيرته العسكرية
طهران تنفي إمكانية عقد لقاء بين روحاني وترامب
طهران تنفي إمكانية عقد لقاء بين روحاني وترامب
ترامب: لا نحتاج نفط الشرق الأوسط لكننا سنساعد حلفاءنا
ترامب: لا نحتاج نفط الشرق الأوسط لكننا سنساعد حلفاءنا
مستشارة البيت الأبيض: مستعدون للتحرك في حالة أي هجوم إيراني على السعودية
مستشارة البيت الأبيض: مستعدون للتحرك في حالة أي هجوم إيراني على السعودية
الأسد يصدر مرسوم عفو عام في سوريا.. هذه بنوده
الأسد يصدر مرسوم عفو عام في سوريا.. هذه بنوده
إيران تهدد أميركا: حاملات الطائرات في مرمى صواريخنا
إيران تهدد أميركا: حاملات الطائرات في مرمى صواريخنا
ترامب يقر بمقتل حمزة بن لادن في عملية أمريكية
ترامب يقر بمقتل حمزة بن لادن في عملية أمريكية
"حديث صاخب" غيّر إعلان نتنياهو.. وحكومته في الغور غداً
"حديث صاخب" غيّر إعلان نتنياهو.. وحكومته في الغور غداً
تركيا.. داوود أوغلو يستقيل من حزب العدالة والتنمية
تركيا.. داوود أوغلو يستقيل من حزب العدالة والتنمية
ترامب: قادة إيران يرغبون في عقد لقاء معنا
ترامب: قادة إيران يرغبون في عقد لقاء معنا
لافروف: بوتين ونتنياهو اتفقا على تكثيف الحوار بين العسكريين بشأن سوريا
لافروف: بوتين ونتنياهو اتفقا على تكثيف الحوار بين العسكريين بشأن سوريا
بيان أوروبي مشترك يرفض إعلان نتنياهو بشأن الضفة المحتلة
بيان أوروبي مشترك يرفض إعلان نتنياهو بشأن الضفة المحتلة
بالفيديو : نتنياهو يعلق لأول مرة على لحظة "الهروب" من صواريخ فلسطينية
بالفيديو : نتنياهو يعلق لأول مرة على لحظة "الهروب" من صواريخ فلسطينية
موقع أمريكي: إسرائيل متورطة بالتجسس على البيت الأبيض
موقع أمريكي: إسرائيل متورطة بالتجسس على البيت الأبيض
نتنياهو: لا مفر من شن عملية عسكرية ضد غزة وإسقاط حماس
نتنياهو: لا مفر من شن عملية عسكرية ضد غزة وإسقاط حماس
  • لمزيد من الأخبار تواصل معنا عبر :
مواضيع شبيهة
يمكنك أيضا قراءة X

فرنسا ترسل خبراء للتحقيق بهجوم أرامكو


اقرأ المزيد